الآلوسي

182

تفسير الآلوسي

ولعل إيرادهم بهذا العنوان للإيذان بكمال سوء حالهم فإن تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مما يقضي بغاية عتوهم ومكابرتهم ، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مراراً . * ( وَهُوَ الْحَقُّ ) * أي الكتاب الصادق في كل ما نطق به لا ريب فيه أو المتحقق الدلالة أو الواقع لا محالة . والواو حالية والجملة بعدها في موضع الحال من الضمير المجرور ، وقيل : الواو استئنافية وبعدها مستأنفة . وأياً ما كان ففيه دلالة على عظم جنايتهم ونهاية قبحها . * ( قُلْ لَّسْتُ عَلَيْكُم بوَكيل ) * أي ( بموكل فوض أمركم إلى أحفظ أعمالكم لأجازيكم بها ) إنما أنا منذر ولم آل جهداً في الإنذار والله سبحانه هو المجازي قاله الحسن . وقال الزجاج : المراد إني لم أومر بحربكم ومنعكم عن التكذيب وفي معناه ما نقل عن الجبائي . والآية على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما منسوخة بآية القتال ولا بعد في ذلك على المعنى الثاني . * ( لِّكُلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * . * ( لِّكُلِّ نَبَأ ) * أي لكل شيء ينبأ به من الأنباء التي من جملتها عذابكم أو لكل خبر من الأخبار التي من جملتها خبر مجيئه * ( مُّسْتَقَرٌّ ) * أي وقت استقرار ووقوع البتة أو وقت استقراره بوقوع مدلوله وليس مصدراً ميمياً . * ( وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * أي حال نبئكم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً ، و ( سوف ) للتأكيد . * ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * . * ( وَإذَا رَأَيْتَ الَّذينَ يَخُوضُونَ في آيَاتنَا ) * بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها كما هو دأب قريش وديدنهم في أنديتهم وهم المراد بالموصول . وعن مجاهد أهل الكتاب فإن ديدنهم ذلك أيضاً ، ولذا أتى بإذا الدالة على التحقيق ، وهذا بخلاف النسيان الآتي ، وأصل الخوض من خاض القوم في الحديث وتخاوضوا إذا تفاوضوا فيه ، وقال الطبرسي : " الخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب وترك التفهم والتبيين " ، وقال بعض المحققين : أصل معنى الخوض عبور الماء استعير للتفاوض في الأمور ، وأكثر ما ورد في القرآن للذم . * ( فَأَعْرضْ عَنْهُمْ ) * أي أتركهم ولا تجالسهم * ( حَتَّى يَخُوضُوا في حَديث ) * أي كلام * ( غَيْره ) * أي غير آياتنا . والتذكير باعتبار كونها حديثاً فإن وصف الحديث بمغايرتها مشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية ، وقيل : باعتبار كونها قرآناً . والمراد بالخوض هنا التفاوض لا بقيد التكذيب والاستهزاء . وادعى بعضهم أن المعنى حتى يشتغلوا بحديث غيره وأن ذكر * ( يخوضوا ) * للمشاكلة ، واستظهر عود الضمير إلى الخوض . واستدل بعض العلماء بالآية على أن * ( إذا ) * تفيد التكرار لحرمة القعود مع الخائض كلما خاض ، ونظر فيه بأن التكرار ليس من إذا بل من ترتب الحكم على مأخذ الاشتقاق . واستدلال بعض الحشوية بها على النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته زاعماً أن ذلك خوض في آيات الله تعالى مما لا ينبغي أن يلتفت إليه . * ( وَإمَّا يُنْسيَنَّكَ الشَّيْطَانُ ) * بأن يشغلك فتنسى الأمر بالإعراض عنهم فتجالسهم ابتداء أو بقاء ، وهذا على سبيل الفرض إذ لم يقع وأنى للشيطان سبيل إلى إشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذا عبر بأن الشرطية المزيدة ما بعدها . وذهب بعض المحققين أن الخطاب هنا وفيما قبل لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام والمراد غيره ، وقيل : لغيره ابتداء أي إذا رأيت أيها السامع وإن أنساك أيها السامع والمشهور عن الرافضة اختيار أن النبي صلى الله عليه وسلم